ابن عطاء الله السكندري
17
تاج العروس الحاوى لتهذيب النفوس ( ويليه الهداية لباديس / الورع للأبياري / الطريق إلى الله للمزيدي )
عنى ولا أن تشتغل بغيري فنودي إذا كانت هذه لا خالقة ولا موجدة وهي تحب أن تجمع قلبك فكيف لا أحب أن تجمع قلبك علىّ . كنت مرة عند الشيخ أبى العباس المرسى رضى اللّه عنه فقلت في نفسي أشياء فقال الشيخ إن كانت النفس لك فاصنع بها ما شئت ولن تستطيع ذلك ثم قال النفس كالمرأة كلما أكثرت خصامها أكثرت خصامك فسلمها إلى ربها يفعل بها ما يشاء فربما تعبت في تربيتها فلا تنقاد لك فالمسلم من أسلم نفسه إلى اللّه بدليل قوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بايَعْتُمْ بِهِ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 111 ) [ التوبة : 111 ] . إذا أحبك مولاك أعرض عنك أصحابك حتى لا تشتغل بهم عنه وقطع علائقك من المخلوقين حتى ترجع إليه وكم تطلب نفسك إلى الطاعة وهي تتقاعد إنما تحتاج إلى معالجة نفسك في الابتداء فإذا أذاقك المنة جاءت اختيارا فالحلاوة التي كانت تجدها في المعصية ترجع تجدها في الطاعة . مثال الإيمان في القلب كالشجرة الخضراء فإذا كثرت عليها المعاصي يبست وفرغ إمدادها فمن أحب القيام بالواجبات فليترك المحرمات ومن ترك المكروهات أعين على تحصيل الخيرات ، ومن ترك المباحات وسع عليه توسعة لا يسعها عقله وأباح له حضرته ، ومن ترك استماع ما حرم عليه كلامه ولكن ما أهون الغرابة التي فيها هوى نفسك عليك وما أثقل ما ليس فيه هوى . مثاله أن تحج تنفلا فإن قيل لك تصدق بذلك شق عليك لأن أمر الحج يرى فللنفس فيه حظ والصدقة تطوى وتنسى وكذلك درسك العلم لغير اللّه فإنك تدرس الليل كله ونفسك طيبة بذلك فإذا قيل لك صل بالليل ركعتين شق عليك لأن الركعتين بينك وبين اللّه ليس فيهما للنفس حظ والقراءة والدرس للنفس فيها حظ مشاركة للناس فلأجل ذلك خفف عليها . قال بعضهم : تاقت نفسي إلى الزواج فرأيت المحراب قد انشق وخرج منه نعل من ذهب مكلل باللؤلؤ فقيل لي هذا نعلها فكيف وجهها ؟ فانقطعت شهوة النكاح من قلبي . من هيئت له المنازل لم يرض له بالقعود على المزابل فاعمل الأعمال الصالحات بينك وبين اللّه سرا ولا تطلع عليه أهلك واجعله مدخرا عند اللّه تجده يوم القيامة فإن النفس تمنع بذكر العمل . صام بعضهم أربعين سنة ولم يعلم به أهله ، لا تنفق أنفاسك في غير طاعة اللّه ولا